أرض الله … نقد و تحقيق و مراجعة … هويدا سالم .

رواية ( أرض الله ) .. للكاتب .. أيمن العتوم
مراجعة و نقد … الأستاذة : هويدا سالم
………………….
“متى استعبدتم الناس وقد خلقهم الله أحراراً” كلمة قالها عمر بن الخطاب واستهل بها أيمن العتوم روايته” أرض الله “،كلمة تلخص معاناة البشرية في عصور استباح بها الإنسان حرية إنسان مثله لمجرد أنه يختلف عنه في اللون…
تزامنت حملات تجار الرقيق مع بداية الحملات الاستعمارية للقارة السمراء وكأنه لم يكن كافياً إحتلال الأرض ونهب خيراتها حتى يمتهنوا أجساد أبنائها وكرامتهم والنظر إليهم كرتبة أدنى من البشر….
موضوع الرواية:-
تتناول الرواية حياة عالم مسلم وثق حياته بخط يده ليحكي لنا قصة أسره ومكوثه في العبودية لأكثر من 60 عاماً يفضح خلالها الصفحة الأشد سواداً في تاريخ الرجل الأبيض الحافل بالكذب وادعاءات الحرية وحقوق الإنسان…
نشأ بطلنا عمر بن سيد على أرض فوتاتور “السنغال حالياً” في غرب إفريقيا في عام 1770م ينتمي إلى نسل الأشراف والوجهاء وسليل علماء فوتاتور، نشأ ثرياً غنياً كانت أمواله تطعم أهل قريته كلهم، محبوباً مبجلاً بينهم، لينتهي به الحال عبداً مهاناً لا يكاد يرفع رأسه حتى يعاقبه الوحش الأبيض ليظل بقية عمره منحنياً في ذل…..
تبدأ الرواية بنشأة عمر المرفهة الهادئة مع أمه وأبيه وأخته آمنة وتلقيه العلم منذ الصغر وحفظه القرآن الكريم، ثم تبدأ اللحظة التي يغير فيها عمر مسار حياته بعد مصرع أخته آمنة أمام عينيه بين فكي تمساح، الأمر الذي دفعه لهجر حياة الرفاهية واختيار حياة الزهد والرحيل إلى “توبا” مدينة العلماء ليمكث 20 عاماً يتلقى العلوم الدينية ويعود بعدها فينشئ مدرسة يمحو بها الجهل عن أبناء قريته ويتزوج وبينما ينتظر قدوم طفله الأول تتعرض قريته لهجمة من المستعمر الفرنسي وأعوانه من القبائل الهمجية ويتم أسره وبيعه لتجار الرقيق بينما يُقتل ابوه أمام عينيه ويظل لا يعرف مصير زوجته وابنه المنتظر….لتبدأ عذاباته التي لا يتخيلها بشر
فينتقل عمر من بلاد ذوي القشرة السوداء والقلوب ناصعة البياض إلى بلاد الرجل الأبيض الملئ بالعتمة، مبحراً بجسده يرسف في أغلالها الثقيلة بينما كانت روحه لا تزال حرة طليقة مشاءة في أرض الله وقلبه مترع بالإيمان واليقين كذلك النهر المتدفق الذي نشأ على ضفافه…. فلم تثنيه مرارة الأسر وذله وعذابه الذي كان يتفنن الرجل الأبيض في صنوفه عن أن يمارس رسالته في الدعوة إلى الله….
كان يقاوم الألم بالإيمان ويثبت نفسه بتقوى الله، لم يكف يوماً عن طلب الحرية والسعي إليها في محاولات كثيرة للهرب، ليبقى تحت نير العبودية حتى عام 1863 ويموت عن سن 93 عاماً (أي قبل عام واحد من إعلان إبراهام لينكولن قانون إلغاء الرق) عاشها محافظاً على دينه قائماً على عبادته نازعاً الغل والحقد من قلبه حتى مع من عذبوه…..
فمن أين أتيت بكل هذه القوة يا عمر بن سيد على احتمال الألم، بل من أين أتيت بكل هذا الجمال وكأنك الرحمة التي وُلِدَت من رحم البشرية بعد مخاضٍ طويل..
السرد :-
كبراعة العتوم المعتادة كان السرد رائعاً، سلساً، شيقاً فكم من مرة حاولت أن ألقي بالرواية فراراً من صرخات المعذبين وتوسلات البائسين فكنت أقفز فوق السطور كمن يحاول الفرار من الجحيم ولكن أعاود القراءة مأخوذة بروعتها وصدقها….
اللغة :-
أنيقة، شعرية، دقيقة، بسيطة خالية من التعقيد.
عدد الصفحات 530
التقييم :5/5
روايات العتوم كلها تترك أثراً في نفسي حتى أنني أعيشها لأيام بعد الانتهاء منها، ولكن هذه الرواية تركت جرحاً في قلبي لا يندمل،فلقد امتلكتني يا عمر بن سيد وسأظل رهينة حزنك وألمك أمداً بعيداً…
فسلامٌ عليك ورحمةٌ من الله وفوزاً بجنته، ولتنل حريتك في دار الخلود بعد أن حُرمتها في دار الفناء….
اقتباسات من الرواية :
“إننا أحرار… أحرار يا سادة… لا تنظروا إلى هذه الجدران التي تحبسنا ولا إلى تلك الأغلال التي تقيدنا ولا إلى تلك السياط التي لا تفارق ظهورنا… بل أنظروا إلى قلوبنا…. نحن أحرار بالفطرة… نحن أحرار بالولادة…. حرروا عقولكم يا أخوتي إن لم تتحرر أجسادكم، أتريدون أن تجمعوا على أنفسكم عبوديتين؟!”
” كل هذه الأغلال التي رُكّبت على ظهري، كل هذه الأصفاد التي أُحكِمت حول قدمي لم تخدش طهارة الحُلم لدي، أنا أحلم بالحرية…. أنا حر، لا أرى في الوجود شيئاً يستحق العيش أجلّ من الحرية، تبدو حقيقة ناصعة وسط باطل لا ينتهي، لطخة من بياض في سواد لا نهائي..”
” نحن مشاؤون يا أخي…. من سار إلى الله لن يزيغ، ماذا تأخذ الدنيا في سيرك الحثيث إليه؟ بعض جسدك؟ تعبك؟ سهرك الليالي؟ غربتك؟ نأيك عن الأهل والأوطان؟ ومن قال إن السير إلى الله لن يفعل هذا بنا؟!
نحن مشاؤون يا أخي… نحن سائرون لا يثنينا عن المسير إلا أن نصل وأن نريح في أفيائه أرواحنا، ومتى ستصلون إليه؟ لا يعنينا متى يا أخي، كل ما يعنينا ألا نتوقف….”

Howayda_Salem 💙🌹

نُشر بواسطة حسام الدين طلعت

أشتاق سلامًا ... يعانق كفينا .... أشتاقُ نهارًا ... تسطع شمسه ... في عينيكِ ... أشتاق طريقًا ... تجمعنا ... خطواته ... أشتاقُكِ سكنًا ... تأوي إليه الروحُ ... أبدا ... 💜💛💙💖💚 حسام الدين طلعت

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ