
💎 مِنَصَّةُ الفَرِيدَةِ 💎
حُرُوفُكُم فَرَائِدُ
رَئِيسُ التَّحرِير
حـســــام الـــديـــن طـلـعــت
…………………………………
https://alharfuarraqypoem.poetry.blog/
………………………………….
الحديقة المُقَنَّعَة
قصة بقلم: الأستاذ فرج المسلمي 🇹🇳
………………………………..
ضاقت السبل أمام (عبد الرحمن )، وأظلمت الدنيا أمام عينيه، فقد باءت بالفشل جميع محاولاته بحثا عن عمل.
بحث (عبد الرحمٰن )في كل مكان و قصد كل الشركات والمصانع وحظائر البناء فلم يظفر بموطن شغل يكفل له ولأسرته سد الرمق.
و لم يجد مناصا في نهاية المطاف من قبول أغرب عرض للعمل: لقد عرض عليه مدير حديقة الحيوانات عملا لا يخطر على بال.
كان (عبد الرحمن ) قد أرسل طلبا لمدير الحديقة يلتمس فيه عملا بالتنظيف أو الحراسة أو غيرهما وانتظر شهورا حتى جاءه الرد:
نأسف لعدم وجود شغور بالأعمال التي ذكرتها لكننا نعرض عليك عملا إن قبلت به فعليك الاتصال بنا حالا، لقد فقدنا أحد القردة ولا يمكننا تعويضه الآن ونحن نبحث عن شخص يتقمص هذا الدور ويحل في القفص محل القرد الحقيقي وسيكون أجره مغريا..
قصد (عبد الرحمن) حديقة الحيوانات واتجه إلى مكتب المدير فرحب به وأخذ يشرح له طبيعة عمله المنتظر.
قال المدير: الأمر بسيط للغاية، ستمكث طوال ساعات النهار بالقفص دون أن تتعب نفسك بأي عمل، إلا إذا أردت الاجتهاد والابتكار للزيادة في الأجر.
وفي نهاية كل يوم تعود إلىٰ بيتك مثل أي عامل.
ثم فتح مدير الحديقة خزانة بجانبه وأخرج منها دمية عملاقة لقرد فتراجع (عبد الرحمن ) خوفا و قال المدير ضاحكا: أرأيت؟ أنت نفسك لم تميز بين الدمية والقرد الحقيقي، هيا جرب وارتد هذه الدمية و سترى.
مترددا، خجلا، تقدم (عبد الرحمن ) فتناول الدمية واندس بداخلها فتعالت قهقهات المدير حتى كاد يسقط من كرسيه ثم نهض يعانق (عبد الرحمن )قائلا: أراهن أنك ستكون أفضل بكثير من قرد حقيقي!
ثم قاده إلىٰ مرآة ضخمة في الغرفة المجاورة وأوقفه أمامها. نظر (عبد الرحمن )في المرآة فانحدرت من عينيه دمعتان مسحهما بفروته الجديدة ثم التفت إلىٰ المدير قائلا: متى أبدأ العمل؟
فرد المدير: بالطبع ليس الآن والحديقة تعج بالزائرين تعال غدا فجرا لتستلم عملك الجديد.
عاد (عبد الرحمن ) إلىٰ المنزل وبشر أفراد أسرته بحصوله على عمل سيخرجهم من نفق الأيام الصعبة، ولكنه تكتم على طبيعة عمله الجديد وتهرب بعناء من أسئلة زوجته وأبنائه.
أخبرهم فقط أنه ربما لن يجد يوما للراحة في عمله الجديد.
ومن الغد سبق (عبد الرحمن ) الفجر إلىٰ حديقة الحيوانات وبادر بارتداء ملابس العمل ثم قاده أحد الحراس إلىٰ باب خلفي للقفص وفتح الباب فدخل (عبد الرحمن ) تسبقه نبضات قلبه المتسارعة.
لقد أحس بقلبه يتدحرج بين أحشائه عندما أوصد الحارس الباب من خلفه.
هو الآن في موقع عمله الجديد. لا تزال أمامه ساعتان قبل أن يفتح باب الحديقة للزائرين.
جلس (عبد الرحمن ) في ركن من أركان القفص وكل تفكيره منصب على اللحظة الأولى لمواجهة الزائرين.
قال في نفسه: إذا مرت اللحظات الأولى بسلام سيكون كل شيء على ما يرام بعد ذلك.
و سرعان ما أزفت اللحظة المنتظرة فقد حانت ساعة فتح أبواب الحديقة ودخلت مجموعات من الزائرين وانبثوا في أرجاء الحديقة.
تسارعت نبضات (عبد الرحمن ) وانحبست أنفاسه وهو يلمح جمعا من الأطفال يتجهون نحو قفصه. ثبت في مكانه لا يحرك ساكنا، واكتفى بتوجيه نظراته يمينا وشمالا وهو يبتلع ريقه ابتلاعا. ازدادت خلجاته وتسارعت أنفاسه عندما انهالت عليه قطع الحلوى والكاكوية، ولكنه تظاهر بعدم الاكتراث ولم يعر القطع الملقاة عليه اهتماما.
مرت دقائق وغادر الأطفال المكان وتقاطر غيرهم يمرون أمام القفص أو يتوقفون أمامه.
واستعاد (عبد الرحمن ) هدوءه تدريجيا وبدأ يتكيف مع عمله الجديد.
وانقضى اليوم الأول بسلام. وعند غروب الشمس جاءه أحد الحراس بعد أن أقفلت الحديقة أبوابها ,ففتح له باب القفص وأخبره أن المدير ينتظره بمكتبه. بادر (عبد الرحمن ) بنزع ملابس العمل ثم دخل إلىٰ مكتب المدير فاعترضه هذا الأخير سائلا: كيف كان يومك الأول؟هل أعجبك عملك الجديد؟
ثم أضاف وهو يجلس على كرسيه: كما أخبرتك سابقا، يمكنك الاجتهاد والمبادرة في هذا العمل وكل شيء بثمنه.
تساءل (عبد الرحمن ): وماذا يمكنني أن أبتكر في هذا العمل؟
رد المدير على الفور: الكثير، فكلما قاربت حركاتك حركات سلفك بالقفص كان أداؤك أفضل وأجرك أرفع، وبإمكانك خلال الساعة الأخيرة من كل يوم عند مغادرة الزائرين وإغلاق أبواب الحديقة أن تقوم ببعض التدريبات على القفز أو التسلق.
وفي اليوم التالي مر كل شيء بسلام، وخلال الساعة الأخيرة تذكر (عبد الرحمن ) نصيحة المدير.
وبعد تثبته من خلو الحديقة من أي زائر أخذ يتسلق القضبان الحديدية ويحاول القفز من أعلاها، وكرر ذلك مرارا محاولا في كل مرة أن يغامر أكثر.
وفجأة حدث ما لم يكن في الحسبان، فقد زلت به القدم و سقط داخل القفص
المجاور، يا للهول!
إنه قفص الأسد.
أسقط في يد (عبد الرحمن ) وأحس بقرب أجله وتساءل في رعب: أي حادث شغل هذا ؟!
لم يجد (عبد الرحمن) إلا أن يغمض عينيه ويعد اللحظات الباقية من عمره.
وأحس بخطوات تقترب منه ببطء حتى كادت تلامسه، لحظتها فقد (عبد الرحمن ) كل إحساس قبل أن تتناهى إلىٰ سمعه همسات آدمية: لا تخف و تماسك يا رجل فأنا زميلك في العمل، انظر إلي إنني آدمي مثلك في دمية أسد!
أذهلت المفاجأة (عبد الرحمن) ولم يصدق عينيه وأخذ يتفرس في وجه الرجل كالمعتوه ثم غمغم: أنت أيضا.
فقاطعه الرجل: أنا أيضا لم أجد بدا من قبول هذا العمل حتى أوفر لقمة العيش لأسرتي.
هتف (عبد الرحمن) في مزيج من الذهول والغبطة : أية مفاجأة هذه ألا أكون في حلم؟
قال الرجل: سأفاجئك أكثر بعد ساعة عندما أعرفك على بقية زملائك في الحديقة.
رد (عبد الرحمن) “أتعني “، فقاطعه الرجل: نعم، فكل النمور والفهود والدببة والخنازير وحتى التماسيح هم زملاؤك في هذه الحديقة.
وانتابت (عبد الرحمن) نوبة ضحك وهو يشير إلىٰ الفيل الواقف هناك في هيبة وغمغم دون أن تنقطع قهقهاته: ليس هذا الوجه غريبا عني!
عاد (عبد الرحمن) إلىٰ منزله وقد هون عليه الأمر كثيرا بما فوجئ به في ختام يومه الثاني.
وأقبل على أسرته في حال جديدة من الانبساط والسعادة التي فارقته طوال الشهور الماضية.
وانتهز أفراد الأسرة هذه السعادة البادية على ملامح الأب لتذكيره ببعض الطلبات المؤجلة.
التفت (عبد الرحمن) إلىٰ (مروان ) أصغر أولاده وأكثرهم دلالا وقال:
لنبدأ بك أنت فأطلب ما تريد.
أطرق (مروان ) قليلا قبل أن يجيب: لن أثقل عليك يا أبي، أريد فقط أن تأخذني غدًا إلىٰ حديقة الحيوانات.