




🌼 جَـرِيـدَة دَالِـيـدَا 🌼
نَـصـنَعُ طِـفْــلًا لـلـغَــد
جَـرِيـدَة الـطِّـفـلِ الأوُلـىٰ
🌼 DALIDA MAGAZINE 🌼
رَئِيسُ التَّحرِير
حـســــام الـــديـــن طـلـعــت
………………………………….
https://alharfuarraqypoem.poetry.blog/
…………………………………
الكمين.. قصة بقلم..
الأستاذ: فرج المسلمي 🇹🇳
………………………………..
الليل بدأ يرخي سدوله على الغابة الموحشة والذئب يذرع الوجار جيئة وذهابا في توتر وقلق شديدين. أما الذئبة فقد كانت رابضة هناك في أقصى الوجار ترضع جروها الوحيد. وما لبثت أن التفتت إلىٰ الذئب قائلة: أراك مترددا هذه الليلة أيضا!
رد الذئب وهو يمعن في تشمم الأديم عند فتحة الوجار: أخشى ألا تتحرك الريح كما هي الحال منذ ثلاث ليال.
فقاطعته الذئبة: لكن الأمر لم يعد يحتم، ألا ترى أننا خلال أسبوعين فقدنا ثلاثة جراء هلكوا جوعا، أفننتظر حتى نفقد جرونا الباقي؟!
ألقت الذئبة نظرة حزينة على جروها الهزيل وهو يعض رقبتها لاعبا وغمغمت متنهدة: ما أقسى لقمة العيش في هذه الغابة!
انتظر الذئب ساعة لكن الجو ظل ساكنا موحشا، ثقيلا محبطا…
دنا الذئب من فتحة الوجار مستروحا ثم توقف بغتة ونادى الذئبة وأمرها ان تعضه عند أسفل قدم، فتعجبت من طلبه وتراجعت إلىٰ الوراء مرتابة في أمره، لكنه ألح في طلبه بكل حزم وجد. لحظتها أذعنت الذئبة لطلبه على مضض وأدمت قدمه اليمنى. اذاك خاطبها قائلا: قد عزمت على المغامرة، لا مناص من السعي لسد الرمق مهما كان الثمن، فان لم أعد قبيل الفجر فاعلمي أن مكروها قد ألمَّ بي وتتبعي قطرات دمي النازف علها ترشدك إلىٰ مكاني.
قال الذئب ذلك ثم ألقى نظرة أخيرة على جروه النائم في الداخل وانطلق يعدو بين مسارب الغابة.
دلفت الذئبة إلىٰ الوجار وأقعت بجانب صغيرها تمني النفس بصيد ثمين يتوج سعي قرينها. لقد قاست كثيرا من أيام المسغبة. ولكم كانت تألم لرؤية جروها يمعن في امتصاص ضرع شح لبنه فلم يسمن ولم يغن من جوع.
ساعات الليل تمر ثقيلة موحشة، وحرقة الانتظار تتأجج متفاقمة. نهضت الذئبة وتطلعت إلىٰ فتحة الوجار ترنو إلىٰ الأفق البعيد الممتد فازدادت حيرتها وتسارعت هواجسها، فالريح تأبى مجددا أن تحرك بصيصا من النسائم. يا إلهي! سيكون الأمر عسيرا على الذئب وهو يجوب أدغالا مرعبة لا يشتم فيها رائحة، إنها مغامرة محفوفة بكل المخاطر.
لم يبق من الليل إلا هزيعه الأخير، وتباشير الفجر بدأت تلوح شيئا فشيئا، وأصبحت اللحظات مربكة مرعبة.
اشتد قلق الذئبة وازداد توترها فطفقت تعدو بين فتحة الوجار وداخله مشتتة بين خوفها على الجرو النائم وانشغالها إزاء تأخر عودة الذئب.
لكن التردد لن يجدي نفعا، لابد من التحرك بأقصى سرعة…
دنت الذئبة من جروها النائم وراحت تتشممه وتدور حوله كأنها تكتشفه لأول مرة، ثم انطلقت إلىٰ فتحة الوجار وعدت مسافة متتبعة آثار الدم المتقاطر من قدم الذئب. لكنها سرعان ما عادت أدراجها وألقت نظرة مرتبكة إلىٰ جروها وهو يغط في نوم عميق.
آنئذ، عوت عواء خفيفا متقطعا ثم هرولت تتبع آثار الدم متنقلة من مرجة إلىٰ مرجة ومن أجمة إلىٰ أجمة. لم يكن من اليسير اقتفاء قطرات دم تتعرج آثارها وتنقطع مسافات ثم تعود مسافات أخرى وقد تغير اتجاهها.
لكن الوقت يمضي متسارعا والحركة في الغابة أضحت ضربا من المقامرة، توقفت الذئبة لحظات تسترد أنفاسها، وأرهفت السمع فاذا عواء خافت متقطع يتردد صداه من حولها. أخذت تخبو مهتدية بمصدر الصوت. أربكها السباق الرهيب مع الدقائق والليل يلملم عتمته متأهبا للرحيل.
العواء المتقطع بدا وكأنه يقترب شيئا فشيئا. تسمرت الذئبة في مكانها لحظة وراحت تمعن في تشمم الأرض. ينتابها إحساس أن الذئب على مرمى حجر منها فالعواء يصدر من مكان قريب جدا لكنها لا ترى شيئا!
وفجأة لمحت بقعة دم كبيرة فهرعت باتجاهها وما كادت تصلها
حتى عاجلها صوت محذر بداخله عواء مترنح: حذاري ..لا
تقتربي انه كمين.
تراجعت الذئبة قليلا وأمعنت النظر فرأت الذئب وقد وقع في
حفرة تغطيها بقايا قش وأغصان يابسة، ولمحت حبلا مشدودا إلىٰ
وتد غير بعيد. ودنت حذرة فألفت الذئب وقد أٌقعى وسط بركة من دمائه ولاحظت ان قائمته الخلفية قد أطبق عليها فخ حديدي ضخم، وأن الفخ مربوط إلىٰ ذلك الحبل.
كان الذئب يتلوى من الألم ولكنه استجمع أنفاسه وخاطب الذئبة
قائلا: أسرعي بالعودة إلىٰ الوجار ..لم يعد هناك متسع من
الوقت. و لا أرى أن بوسعك إنقاذي، فلينج أحدنا بنفسه،
لم تكترث الذئبة بما سمعت بل راحت تعض الحبل محاولة قطعه
بكل ما أوتيت من قوة، واستمرت محاولاتها بلا هوادة حتى أفلحت
في قطعه والتفتت إلىٰ الذئب قائلة في إصرار: لا بد أن تتماسك
وتبتلع ألمك؛ حتى تساعدني فأسحبك إلىٰ الأعلى ..هيا لنحاول..
أمسكت الذئبة طرف الحبل بفمها وراحت تسحبه بعناء ومكابدة، لكن الذئب كان يكابد عناء أعظم وألما أشد فالفخ الحديدي المطبق عليه يدمي قدمه ويكاد يقسمها شطرين، وما هي إلا لحظات حتى أصبح الذئب خارج الحفرة لكنه لا يقوى على أدنى حركة. وفي لمح البصر أطبقت الذئبة فكيها على رقبة الذئب ورفعته قليلا إلىٰ الأعلى ثم اندفعت تعدو في اتجاه الوجار.
وعندما تسللت أولى أشعة الشمس إلىٰ داخل الوجار كشفت عن جرو نائم بين ذئب كسيح وذئبة هاجعة بلا حراك.