قصة وطن الخطاطيف.. بقلم الأستاذ. فرج المسلمي 🇹🇳🇪🇬 DALIDA MAGAZINE.. رئيس التحرير.. الأستاذ. حسام الدين طلعت

🌼 جَـرِيـدَة دَالِـيـدَا 🌼
نَـصـنَعُ طِـفْــلًا لـلـغَــد
جَـرِيـدَة الـطِّـفـلِ الأوُلـىٰ
🌼 DALIDA MAGAZINE 🌼
رَئِيسُ التَّحرِير
حـســــام الـــديـــن طـلـعــت
………………………………….
https://alharfuarraqypoem.poetry.blog/
…………………………………
قصة: وطن الخطاطيف..
بقلم الأستاذ: فرج المسلمي 🇹🇳
………………………………….
الحركة عند سرب الخطاطيف على قدم و ساق، فالربيع يلفظ أنفاسه الأخيرة وموعد الرحيل قد أزف أوانه.
هاهي تملأ السماء تحليقا وتذرع الأجواء غدوا ورواحا، إنها تتأهب لتوديع هذه الربوع الوداع المعتاد من كل سنة.
كان أصيل يتوسط أبويه ويحلق بينهما مصغيا لما يرددان. قال الأب: « أرى تباطؤا كبيرا في طيرانك يا بني فهل تشعر بألم أو تعب؟».
واضافت الأم: « أنا أيضا لم يخف عني ذهولك وفتور حركاتك خلال الساعات الماضية، فما الخطب يا ترى؟».
أطلق أصيل جناحيه وزاغ بصره يرمق الأفق دون أن ينبس بكلمة. لحظتها استبدت الحيرة بالأبوين ودنا الأب من فرخه الواجم وخاطبه في شيء من الحزم: «مهما يكن من أمر، علينا أن نسرع ونلتحق بأسراب الخطاطيف المهاجرة قبل أن تتقطع بيننا وبينهم السبل،
وأردفت الأم في نبرة لا تخلو من الاشفاق: وها أنا أخفض لك جناحي لتمتطيهما إن عجزت عن الطيران.
رد أصيل وهو يرنو إلىٰ أمه عرفانا وتوددا: لا ينتابني ألم ولا إرهاق ولا يؤودني تحليق أو طيران، لكنني لا أريد الرحيل عن هذه الربو.
لم يكد الأب يسمع كلام فرخه حتى صاح في حنق: لا تريد ماذا ؟
قالت الأم وهي ترمق فرخها في استغراب: لا شك أنك تمزح،
وأضاف الأب متطلعا لأسراب الخطاطيف وقد بدت كنقاط متناثرة في
السماء: ألدينا وقت للمزاح و الأميال تتزايد بيننا وبين بني جنسنا ؟
رفرف أصيل بجناحيه وهو يقول في إصرار: لست أمزح يا أمي. إنني لا أرغب حقا في مغادرة هذه الأرض ولست أدري أية قوة خفية تشدني إليها شدا.
انتفض الأب ووجه الخطاب لفرخه في غضب: كفى هراء ولنلحق بأسراب الخطاطيف قبل فوات الأوان.
واقتربت الأم من أصيل هامسة: اعقل بني، رحيلنا عن هذه الربوع قدر محتوم، لا شأن فيه لرغبة أو أمنية، ثم أضافت وهي تحاول توجيه طيرانها صوب الأسراب المهاجرة: قدرنا أن نبحث عن الربيع في كل أصقاع الدنيا فنستقر انى نجده.
رد أصيل في حماسة: أما من وطن يأوينا وتهفو إليه أفئدتنا؟.
قال الأب وهو يستحث الجميع للإسراع: وطننا الربيع.
أحس أصيل أنه يساق قسرا في رحلة تكاد تكتم أنفاسه، فاستجمع رباطة جأشه وجرأته وخاطب أباه قائلا: عفوا يا أبي، ولكنني قد اخترت هذه الأرض وطنا لي وانني اتوسل إليكما ألا تبعداني عن وطني.
أشاح الأب بوجهه لعله يخفي تأثره بما سمع، أما الأم فقد ربتت على ظهر فرخها قائلة: وهل تظن أننا لا نشاركك تعلقك بهذه الربوع؟
ولكننا لن نحتمل قيظ الصيف ولا زمهرير الشتاء بهذه الأرض، ولا مناص لنا من الرحيل بحثا عن الدفء.
أطرق أصيل قليلا يمعن التفكير فيما قالته الأم، وأحس في قرارة نفسه أن ذلك الكلام لم يقنعه رغم إقراره بصوابه. واستبدت بأصيل فكرة المكوث بهذه الأرض.
وتسارعت خلجاته وقد أدرك أنه أمام لحظة اختيار قاسية: أيرحل مع أبويه بحثا عن الدفء أم يستغني بالوطن عن الأسرة و الدفء؟ وكان نداء الوطن أشد إلحاحا.
وأوثق أسرا لمشاعر أصيل، ولم يستطع الطائر الصغير كبح جماح مشاعره فقال وهو يمسح دمعتين انحدرتا على منقاره: كم يشق علي ألا أنزل عند رغبتكما، ولكنني قد اصطفيت هذه البلاد الخضراء وطنا لي لعل حبي لربوعها يظللني صيفا ويدفئني شتاء، ثم أردف وقد امتلأ حماسة: وكيف نحس دفء الربيع ونستمتع به إن لم تلفح وجوهنا نسمات الشتاء الباردة ولم نصل نيران الصيف الحامية؟ التقت نظرات الأبوين مفعمة دهشة ووجوما. فهما يدركان تمام الإدراك أن ما يدور بخلد صغيرهما وما يهفو إليه ينطوي على مغامرة لا تخلو من المخاطر، رغم إقرارهما بروعة تعلقه بالوطن. ولم يجد الأب بدا من مخاطبة ابنه في نبرة حزم: اعلم بني أن حرصنا على سلامتك وخوفنا على مستقبلك يدفعنا لتحذيرك من عواقب موقفك و إرشادك إلىٰ السلوك الصائب، أما إذا رمت خوض هذه التجربة فلن نمنعك.
تهاوى أصيل وقد أطلق جناحيه حتى وصل إلىٰ أحد الأغصان الوارفة، فحط عليه وهجع مطمئنا. أما أبواه فقد واصلا الطيران يرومان اللحاق بالجموع المهاجرة وقد أذعنا على مضض لرغبة صغيرهما وتشبثه المستميت بحلمه الجليل.
وحين أشرف الطائران على الاندماج وسط الأسراب المحلقة عاليا وأزفت لحظة الوداع الأخير تناهى إلىٰ سمعهما نشيد أخذ يقترب منهما شيئا فشيئا
إن حف بي أهلي وخلاني فكل ربوع الأرض أوطاني
وهل يحلو المقام بأرض خلت من صحب وجيران
ومن أب به أقتدي وأم عظيمة ترعاني
لي في دفء أسرتي وطن وآخر به الله أوصاني
أهجره حينا على مضض وأهب إليه أن ناداني
نشيده يكتب من دمي و ألوان رايته ألواني.

نُشر بواسطة حسام الدين طلعت

أشتاق سلامًا ... يعانق كفينا .... أشتاقُ نهارًا ... تسطع شمسه ... في عينيكِ ... أشتاق طريقًا ... تجمعنا ... خطواته ... أشتاقُكِ سكنًا ... تأوي إليه الروحُ ... أبدا ... 💜💛💙💖💚 حسام الدين طلعت

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ