آخر أوراق التوت.. قصة قصيرة.. بقلم الأستاذ: فرج المسلمي 🇹🇳.. منصة الحرف الراقي.. رئيس التحرير.. الأستاذ.: حسام الدين طلعت.

مِنَصًَةُ الحَرْفِ الرَّاقِي
عِلمِيَّة-ثَقَافِيَّة-أدَبِيَّة
💎 حُرُوفُكم جَوَاهِر 💎
رَئِيسُ التَّحرِير
حـســــام الـــديـــن طـلـعــت
………………………………….
https://alharfuarraqypoem.poetry.blog/
………………………………….
آخر أوراق التوت:
بقلم الأستاذ: فرج المسلمي 🇹🇳
…………………………………
أفاقت مريم من نومها بغتة وطفقت تغمغم مذعورة وأنفاسها تكاد تنحبس: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، خيرا اللهم اجعله خيرا. « فتح زوجها إبراهيم عينيه ثم بادر يضوء الغرفة ويقدم كوب ماء إلى زوجته مهدئا من روعها، وبعد أن هدأت الزوجة وزال توترها سردت على مسامع زوجها تفاصيل الكابوس المرعب الذي لازمها ثلاث ليال متتالية: نفس الطيف ذو الرداء الأبيض الناصع واللحية السوداء الكثة يخاطبها فيما يشبه الهمس:
«أيامك الباقية على قدر ورقات التوت التي لم تسقط بعد من أغصانها ..»
تبسم إبراهيم وربت على كتف زوجته قائلا: «تلك أضغاث أحلام يا عزيزتي فلا تشغلي بالك بها» لكنه ما إن تمعن في وجه مريم حتى لاحظ شحوبًا و اصفرارًا لم يعهدهما. فتيقن أن الأمر أجل من أن يعالج بعبارة تهدئة أو حركة لجبر الخاطر.
وتفاقم قلق الزوج وانشغاله حين أخبرته زوجته أنها منذ ثلاثة أيام أصبحت تهرع مطلع كل فجر إلى النافذة لتلقي نظرة على التوتة وتتفقد ورقاتها تكاد تحصيها.
إذاك أسقط في يد إبراهيم وقرر أن يأخذ الأمر على محمل الجد، فالتفت إلى زوجته مطمئنا ثم أطفأ نور الغرفة مرددًا: «الصباح رباح»
ومن الغد عرض إبراهيم الأمر على أخلص أصدقائه فأشار عليه بنصيحتين تنمان عن فهم عميق وذكاء خارق. فقد أقنع الصديق محدثه أن ما ينتاب الزوجة من كوابيس مرده الملل والفراغ الجاثم على حياتها يكاد يكتم أنفاسها ونصحه أن يملأ ذلك الفراغ بما تزخر به الحياة من مباهج وأنشطة ترفيهية متنوعة، دون أن يشعرها أنه يفعل ذلك متكلفا.
أما النصيحة الثانية، فقد أشار من خلالها الصديق على إبراهيم أن يعوض بطريقة خفية محكمة كل ورقة توت ساقطة بأخرى بلاستيكية دون أن تفطن لها الزوجة حتى تحافظ شجرة التوت على أوراقها فتحافظ الزوجة على تشبثها بالحياة.
اقتنع إبراهيم بمشورة صديقه وأثنى على إخلاصه وحسن نصيحته. ومنذئذ تخلى شيئا فشيئا عن جلسات المقهى الطويلة وصحبة الأصدقاء وأصبحت تلك الأوقات مخصصة للنزهة والتجوال رفقة زوجته.
تجول معها بين الحدائق العمومية المبهجة والملاهي الرائقة.
وارتادا دور السينما والمسارح وقاعات العروض المتنوعة ولم يغفل إبراهيم عن زيارة الأهل والأقارب وجلسات السمر والمؤانسة.
أثناء كل ذلك حرص الزوج على تعويض كل ورقة توت متساقطة بورقة بلاستيكية شبيهة تمام الشبه بها. كان يفعل ذلك خلسة في أوقات نوم الزوجة أو غيابها عن المنزل. و رغم أن مريم قد تناست تدريجيا ذلك الكابوس وأقبلت على نسق حياتها الجديدة مبتهجة متفائلة فإنها لم تغفل عن مراقبة أوراق التوتة بين الفينة والأخرى، وكلما لمحت الشجرة مورقة تشبثت أكثر بالحياة وتعلقت بمباهجها.
توالت الأسابيع على تلك الحال فاستعادت مريم كامل عافيتها واسترجعت إطلالتها البهية المرحة.
أثناء ذلك تناسى الزوج أمر الأوراق، فقد تساقطت جل ورقات التوتة ولم تبق على أغصانها سوى آخر ورقة بلاستيكية كان قد ألصقها منذ أسبوع.
توجس إبراهيم أن تكون زوجته قد لاحظت ما حل بأوراق الشجرة فاغتنم فرصة خلودها للنوم ذات قيلولة وأحضر عددًا من الأوراق البلاستيكية وهمَّ بالشروع في لصقها.
آنئذ أحس بوقع خطوات تقترب والتفت وراءه فألفى زوجته تقبل عليه باسمة. و قبل أن ينبس ببنت شفة قبلت جبينه قائلة: “لم يعد من داع لذلك عزيزي، لقد علمتني بمعروفك وطيب معاشرتك درسا بليغا”: قد تتساقط أوراق التوت ..لكن الشجرة المتشبثة بالحياة لا تموت.

نُشر بواسطة حسام الدين طلعت

أشتاق سلامًا ... يعانق كفينا .... أشتاقُ نهارًا ... تسطع شمسه ... في عينيكِ ... أشتاق طريقًا ... تجمعنا ... خطواته ... أشتاقُكِ سكنًا ... تأوي إليه الروحُ ... أبدا ... 💜💛💙💖💚 حسام الدين طلعت

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ