

مِنَصًَةُ الحَرْفِ الرَّاقِي
عِلمِيَّة-ثَقَافِيَّة-أدَبِيَّة
💎 حُرُوفُكم جَوَاهِر 💎
رَئِيسُ التَّحرِير
حـســــام الـــديـــن طـلـعــت
……………………………..
قصّة قصيرة
العنوان : هديّة الجدّة
بقلم : أ. الناصر السعيدي من تونس
………………………………
التوطئة :
في يوم 21 من شهر أكتوبر 1879 اخترع توماس أديسون المصباح الكهربائي وقدم للإنسانيّة خدمة جليلة غيّرت حياة المجتمعات إلى الأفضل، وإلى حدّ اليوم مازلنا ننعم بفضل واحد من عظماء الإنسانيّة.
القصّة :
طُرق البابُ وقدّم ساعي البريد إلى السيّد أديسون برقيّة عاجلة من المدرسة الثّانويّة التي يدرس فيها ابنهُ توماس، قرأها على عجل وذهل كمنْ نزلتْ عليه صاعقة أو كمنْ رأى حلما مزعجا في المنام، إدارة المدرسة تعلمه أن ابنه يتغيب باستمرار ويقاطع كثيرا فروض الامتحانات وقد أظهر فجأة تقاعسا في نشاطه المدرسي رغم أن أستاذ الفيزياء يؤكّد على فطنته وذكائه وموهبته في تصوّر التجارب العلميّة نظريّا وتطبيقيّا ويشير إلى وجوب توجيهه إلى شعبة التقنية والعلوم.
أسرع الأب ينزل الدّرج نحو دهليز المنزل ويدلف غرفة صغيرة حوّلها ابنه توماس إلى ورشة امتلأتْ زواياها بالخشب والأسلاك والقطن والمعادن والزّجاج وخيوط الخيزران وتناثرتْ على مناضدها أوراق بها تصاميم ورسومات وكتابات غامضة، بحث الأب في كلّ مكان عن ظلّ جسم منزو في ركن من الدّهليز ولكنّه لم يعثرْ على ضالّته فتنهّد طويلا وصمت.
أسدل اللّيل ظلامه الدّامس على الحيّ اللاّتيني من أحد ضواحي مدينة ميلانو وقد آنبعثتْ أنوار الشّموع الخافتة من ثنايا نوافذ المنازل ومن منارة كنيسة الأب روبارْتوسْ، فبدتْ كنجوم السّماء الحالكة في ليلة من ليالي فصل الخريف، وفجأة تعالى أنين متقطّع بصوت الجدّة وقد لزمتْ غرفتها بالطّابق السّفلي منذ سنوات إذ داهمها المرض وأقعدتها الآلام عن المشي فتسمّرتْ بفراشها الخشبيّ المتداعي، وكلّما حلّ اللّيل إلاّ وآزداد ألمها وتتالتْ صرخاتها واختفتْ عن ناظرها صناديق الأدوية حتى ظلّ الليل كابوسا يزيد غرفتها وحشة وكآبة وعذابا إن الظّلمة حالكة وبائسة وحزينة، وقتها يظلّ توماس ساهرا لا يكحّل النّعاس جفنيْه، إذ تراه يداعب الخيوط ويشكّل الزّجاج ويكوّر المعادن، وكلّما سمع حشرجة من بعيد وقد غلب السّعال صوت جدّته يكاد يعصف بضلوعها، إلاّ وتألّم في صمت.
يمرّ الوقت ثقيلا، مثقّلا بالآهات لا تقطعه إلاّ أصوات أجراس الكنيسة تتلاعب بها نسمات منتصف اللّيل، وتوماس يتفيّأ نور شمعة تتقاطر دموعها على جنباتها وتحترق في ألم وهي ترقص على أنفاس جليسها، الشّاب توماس أديسون التلميذ المتقاعس الذي أطنب أحد أساتذته في مدح قدراته الذهنيّة والفكريّة.
وبينما كان الظّلام يحتضن كل الزّوايا ويبعث فيها صمتا رهيبا حتى بدا المكان وكأنّه يمزّق بعضه، دوّى صوتُ صرخة من غرفة توماس مزّقت وحشة الدّهليز وانطلق الطّفل يقفز ويصعد الدّرج إلى الأعلى وهو يمسك بمصباح يضيء، فيبعث نورا غريبا هنا وهناك يكشف المكان ويقهر الظّلام، ها هو يندفع صوب غرفة جدّته ليحمل لها بشرى اختراعه هديّة لها حتّى يحوّل ظلمة غرفتها إلى نور ساطع، فسوف تقضي حاجاتها وقتها وتلقى علب دوائها كلّما فاجأها السّعال اللّعين. اقترب من فراشها وناداها: …جدّتي ..جدّتي .. انظري .. ربتَ على ذراعها ثم أمسك يدها ليقدّم لها هديّته ولكنّه ألفاها باردة كالثّلج لا حراك بها.
ذهل صامتا ودنا من النافذة ليلقي بصره بعيدا صوب الأنهج والممرّات الطويلة التي تشكّل أحياء المكان وقد عمّها الظّلام الحالك، لقد وعد جدّته بأن يضيئها يوما بالمصابيح تتلألأ على أرصفتها كلّما حلّ اللّيل الثّقيل، وها قد وفى.