السودان 🇸🇩.. رحلة قصيرة ذات معانٍ جمة .. قصة بقلم .. الأستاذ .. حسام الدين طلعت .. مصر 🇪🇬.. مِنَصًَةُ الحَرْفِ الرَّاقِي عِلمِيَّة-ثَقَافِيَّة-أدَبِيَّة. 💎 حُرُوفُكم جَوَاهِر 💎

السودان … رحلة قصيرة ذات معانٍ جمة …
الحلقة الأولىٰ .
………………………..
بـقـلـم …. حـسـام الـديـن طـلـعـت .
جمهورية مصر العربية
………………………..
انتهت بي خطواتي أمام نافذة حجز تذاكر باخرة وادي حلفا … و هو ميناء نهري على حدود السودان الحبيب الشمالية ، حيث أنه يُعدُّ حلقة وصل تجارية بين القطرين ( مصر و السودان ) ، اللذين تفصلهما حدود المكان ، حدودٌ رسمها مستعمرٌ بغيض …
و تجمعهما حدودُ الزمان و الآمان و الاندماج و التواصل ، و لم يفلح ذاك المستعمر إلا أن يفصلهما بخطٍ وهمي فوق خارطةٍ عرجاء …
…………………….
كُنتُ أحملُ في حقيبتي ملابس و أفكار و آلام و بضع آمال …. لذا لم يكترث ضابط الميناء حين ألقى عليها نظرات من التهكم و الازدراء و الفضول …
ثم قال لي … اعبر ….
صعدتُ باخرة تنطلق من ميناء أسوان النهري ، بعد رحلة ليلية داخل عربات قطار القاهرة – أسوان ….
حيث وصلتُ صباح رحلة الباخرة …
و تنسمت هواء أسوان الجميلة … العروس التي تتزين كل حين ، و كأنني أنهلُ من عبيرها ، و أُشبِعُ روحي و عيني من سحرها الوضاء و حلاوة نيلها ….
…….فوجدتها تعجُ بالمسافرين الغادين و العائدين … و الكثير من الحقائب و البضائع من كل صنف و صنف …
لذا لم أجد متسعا من المكان إلا جوار حقيبتي … أعلى سطح الباخرة ….
و انطلقتُ ….
……………………..
الـــسـودان… رحـلـة قـصـيـرة…
ذات مـعـانٍ جـمـة….
الـحـلـقـة الـثـانـيـة…
……………………
بـقـلـم… حـسـام الـديـن طـلـعـت…
……………………………..
و هأنذا أقبع جوار حقيبتي.. منغلقا على ذاتي… منفتحا على عالم لا أدري خفاياه… تنطلق الباخرة متمايلة، متهادية…
تحمل قلوبا و قوالبا من بشر… نثرت أحلامها هنا و هناك….
ما بين تاجر يحلم بالعودة إلى وطنه، ليبيع بضائعه و يربح و يطعم أبناءه الرزق الحلال، و طالب عائد إلى حضن أمه بعد طول غياب، و امرأة كانت تزور أهلها في مصر تنتحب من فراقهم…
وأنا وسط هؤلاء أقتحم المجهول بلا هدف…
وضعت حقيبتي و بدأت أتجول في ردهات الباخرة، باحثا عن مكان أحتسي فيه قهوتي…
و ها هو ذا، مكان نظيف منظم… مطعم لركاب الدرجة الفاخرة…
دلفت إلى ذلك المطعم، جالسا إلى طاولتي التي يتشاركها أخوة من السودان أو مصر…
أشقاء الوطن المنقسم…
طلبت قهوتي… فسألني النادل…
قهوة مصري أم سوداني…
حقيقة الأمر… أحببت أن أحتسي القهوة السوداني… فقد كنت منبهرا ـ و لا زلت ـ بكل ما هو سوداني….
و عرفت أن القهوة السوداني تسمى…. ( جَبَنَة) بفتح الجيم و الباء و النون…
و هي عبارة عن قهوة سودانية مغلية و بها الكثير من الإضافات… كالحبهان و الزنجبيل و ما لذ و طاب…
…………………………….
كان مذاقها رائعا… فما أجمل الجبنة الأولى… فهي كالحب الأول… لا ينسى…
استمرت رحلة الباخرة حوالي سبع عشرة ساعة… حتى وصلنا إلى ميناء وادي حلفا السوداني…
و خلال تلك الساعات كان لابد من التواصل و التعارف… و البحث عن رفقاء الطريق الذين يضفون بوجودهم يسرا لسفر طويل…
و خلالها أيضا ناجيت نجوما ترافق باخرتي و قمرا سابحا في أفق عيني..
و نيلا حاضنا أمانينا… نيل حنون… محتضنا أحلامنا….
و للرحلة بقية…
………………………….
السودان …
رحلة قصيرة… ذات معان جمة…
الحلقة الثالثة…
بقلم .. حـسـام الـديـن طـلـعت…
……………………….
وادي حلفا… ميناء نهري شمال السودان الحبيب ..
بعد وقت مر في تفتيش حقائب الركاب… عانقت بعيوني سماء تلك المدينة الهادئة الساحرة.. مدينة وادي حلفا…. كان رفاق الرحلة متجهين نحو عربات جيب تحمل ركاب الباخرة إلى منطقة الفنادق..
فالتحفت بإحدى صناديقها القديمة… ووصلت بعد أقل من عشر دقائق…
وأقف الٱن أمام فندق لكنه أشبه ببيوت النوبة الجميلة الممتلئة بالدفء وطيب الروح…
طابق أرضي… به الكثير من الغرف… وتصطف في كل غرفة الكثير من الأسرة…
قمت بحجز سريري واغتسلت من عناء السفر ….
……………………………..
كنت أتمنى ألا أضيع لحظة أمتع فيها ناظري بكل ذاك الجمال البكر، تلال وهضاب وبيوت متراصة، البساطة سمة كل تفصيلة….
لذا بدأت جولتي الميدانية مشدوها، منسجما، ممزوجة عيني بكل طيب…
أحببت أن أتناول غدائي، وما أشد تشوقي لأن أتذوق الطعام السوداني… لذا دلفت إلى مطعم بسيط تنبعث منه روائح أشهى المأكولات، التي لا أتذكر إلا بعض أسمائها… على سبيل المثال… سلطة أسود،
وهي عبارة عن- مسقعة- لكنها تختلف في الشكل والنكهة عن الطعم المصري…
وأثناء بحثي عن مكان لتناول جبنتي ( قهوتي السودانية) … لفت انتباهي امرأة يرسم الزمن على جبينها خطوطا من الكفاح والشقاء والرضا…
……………………………
هي بحق مثال المرأة العظيمة، التي يهدر حقها في مجتمعنا الشرقي الجاني عليها، الٱكل حقها، المضيع قدرها، ويتناسى ذاك المجتمع أنها حواء، الأم والأخت، والابنة والزوجة، والحبيبة والصديقة..
إنها نعمة مهداة لٱدم وأنسه…
وهي الموصى بها من سيد الخلق سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم …
………………………………
السودان 🇸🇩 رحلة قصيرة ذات معان جمة..
الحلقة الرابعة..
بقلم .. حسام الدين طلعت ..
جمهورية مصر العربية
……………………..
عندما تصل إلى وادي حلفا.. يتوجب عليك أن تقوم بحجز تذكرة الحافلة المتوجهة إلى الخرطوم فجر اليوم التالي للوصول.. وقد أرشدني بعض الأخوة السودانيين إلى ضرورة حجزها فور وصولنا..
بدأت رحلة الحافلة في الخامسة والنصف صباحا.. تنهب الأرض نهبا بين البراري والمناظر الطبيعية الخلابة.. وبدأت بالاستمتاع بجو سوداني عبق مملوء بروائح البخور المميزة، وعطور تفوح نسائمها من قلوبهم قبل الثياب..
تعرفت على شاب سوداني.. ، تكسو ملامح وجهه أصالة شعب، و عيون محبة تتمنى الخير للجميع.. يدعى عبدالرحمن ..
حقا.. إن للإنسان نصيبا من اسمه .. فقلبه مملوء بالرحمة والود……
تعارفنا أكثر خلال وصولنا إلى استراحة الحافلة.. وعرف أنني أتيت إلى السودان 🇸🇩لأبحث عن ذاتي التائهة في طرقات الحياة البائسة.. ، وأنني سأبحث عن عمل وسألته عن السكن.. فقال لي: لا تحمل هما للمسكن، فهو موجود وميسر بإذن الله…
وصلنا حوالي الساعة الرابعة عصرا إلى الخرطوم..
وبدت فتاة تسحر الناظرين، وظهرت مثل عروس النيل تتزين لأجل محبوبها…
إنها المدينة الأجمل، والأهدأ رغم ازدحام بعض أماكنها..
وبدت تشعرني بلهيب صيفها ، وكأنها تستقبل محبيها والغائبين عن دفء أرضها بشمسها اللافحة المانحة القوة والجلد…
لذا لم أتأفف من هديتها قط.. وإنما توقعتها…
لأنها أرض الكرم والكرماء…
طفت في أرجائها…. من الأسواق المميزة التي كنت أسكن قربها في منطقة بحري، حيث وفى رفيق الرحلة بوعده وأسكنني مع أقارب له من الشباب المغترب لأجل الدراسة ( الجراية بالسوداني) والعمل والبحث عن لقمة العيش… سوق سعد قشرة ( سعد غشرة) .. وهو سوق للذهب القشرة والمنتجات المتنوعة والمحال بكافة أشكالها…
وفي المساء مع الصحبة.. تجتمع بالأحبة عند ( ست الشاي) التي تصنع لك كوبا من النسكافيه والأغرب أنك يجب أن تتناول معه الزلابيا الشهية التي تغوص في بحر من العسل…
أما عن جولتي الصباحية في شوارع الخرطوم الأبية، دائمة التبسم وتوهج شمسها… المتمازج في بشرتهم المنسوجة من طمي النيل… جذب انتباهي مطعما للوجبات السريعة، ووجدت في قائمة الطعام أن سندوتش البرجر.. ثمنه ٣.٥٠ جنيه سوداني، فطلبت واحدا، وفوجئت أن الخبز كبير ومملوء باللحم، ….. عدت أبحث عن عمل أثناء النهار وفي الليل إما على مقهى من المقاهي الإلكترونية.. أو مع الصحبة الطيبة…..
وللحديث بقية…
ولا زالت الرحلة مستمرة…
إلى لقاء….
……………………..
رحلة قصيرة ذات معان جمة..
الحلقة الخامسة…
بقلم .. حسام الدين طلعت ..
جمهورية مصر العربية 🇪🇬..
…………………….
صباح جديد يملؤه النور والخير من رب الوجود.. استيقظت إثر نسمات هواء صيفية داعبت روحي …
وكنت نائما فوق سرير معدني.. في أحد أحواش البيوت السودانية الواسعة.. ومن عاداتي الصباحية أن أفرش أسناني… ولكنني اكتشفتُ أنها عادة أصيلة عند أبناء النيلين .. وبدأ شباب البيت يستيقظون كل يحمل فرشاته وتناولنا الإفطار سويا … وبعدها انطلق الشباب إلى عملهم كالطير التي تغدو ساعية لرزق ربها.. فتعود بطانا…
وبدأتُ رحلتي اليومية في البحث عن عمل.. وكنتُ ذا خبرة ودراية بمجال التسويق… لكن لم يوفقني الله لإيجاد فرصة عمل في ذلك المجال.. وبدأت الأموال التي أحملها في النفاد…
وطرأت بعض الأحداث على الصعيد السياسي بين السودان 🇸🇩وجنوب السودان حيث سمعت أن الأخيرة قامت بالاستيلاء على بئر بترول داخل الحدود السودانية.. وعند اندلاع أي صراع بين دولتين تتأثر اقتصاديات تلك الدول أطراف النزاع ، لذا بدت الأجواء تلوح بقرب انتهاء رحلتي… وقلت لنفسي… من الأفضل أن ينفد المال الذي أحمله وأنا على أرض مصر 🇪🇬 لذا أخبرت أصدقائي الذين أقيم معهم أني نويت العودة.. وكنتُ أود أن أظل بينهم.. أنعم بودهم وأنهل من طيب برهم … لكنها الأقدار تكتب خطواتنا .. وأخبرتُ صديقي عبدالرحمن بذاك القرار… وقال لي… إن شئت… اصبر حتى تجد عملا… فأنت أخ لنا وضيفنا .. لكنني شكرته من أعماق الفؤاد على ما قدمه لي هو أقاربه الكرماء… ولفت انتباهه أثناء حديثنا الأخير تغير لون بشرتي إلى اللون الأسمر.. وتعلمي لبعض كلمات اللهجة السودانية… وقال لي مبتسما ابتسامة صافية… لقد أصبحت سوداني يا حسام…
فرددت عليه مازحا … طبعا يا زول…. وتعالت ضحكاتنا …
وللرحلة بقية…
…………………………….

نُشر بواسطة حسام الدين طلعت

أشتاق سلامًا ... يعانق كفينا .... أشتاقُ نهارًا ... تسطع شمسه ... في عينيكِ ... أشتاق طريقًا ... تجمعنا ... خطواته ... أشتاقُكِ سكنًا ... تأوي إليه الروحُ ... أبدا ... 💜💛💙💖💚 حسام الدين طلعت

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ