
🖋️🖋️
شدو لارين…
بقلم الكاتبة: الدكتورة فتحية الفرارجى.
استاذ اللغة الفرنسية وآدابها بكلية التربية جامعة طنطا
مصر 🇪🇬
منصة الحرف الراقي
رئيس التحرير: الأستاذ: حسام الدين طلعت.
🖋️🖋️
دخل الحجرة وقرأ من آخر صفحة في مذكرتها الشخصية: للعشق وللحُب معجزات، وفي انتظار تلبية النداء واللقاء حكايات، لكنها حكايات كلها همس.
يا نهار أصفر، يا نهار أزرق، البنت خلاص فجرتْ… من ورائنا، من غير علمنا، يا ليالي!، أنت يا ليالي !، إنت يا ست هاااانم!، بنادى عليك تعالي بسرعة.
ليالي: يا ستار يارب …خير يا رب ؟
عجيب: اقرئي واعرفي بنتك بتعمل وتفكر فين؟
ليالي: روح؟ قمر البيت؟ نسمتنا الصبورة؟ الذكاء والنباهة، طيب اهدأ نفهم لمن كتبت كلام العشق والحُب؟ لكن أنا عارفها عاقلة ومحافظة على نفسها، ومذكرتها الشخصية هي حرة تكتب فيها وتكلم الورق، حرام نِكْبت البنت ونحاصرها دائما يا عجيب، حقيقي حرام تكبتها وتفتش في أوراقها وأدواتها الشخصية؟ الإحساس بالثقة والأمان مُهم.
عجيب: يا هانم فكري وتابعي بنتك، ودوري على الحكايات والقصص وافهمى.
ليالي: بتكلم نفسها، عجيب والله عجب العجاب، يارب إن شاء الله سأعرف كل شىء غداً، نام وارتاح وكل شىء نفهمه.
وانطفأ النور في جميع أرجاء المنزل، عجيب بيخاف على الكهرباء والنور ويُحب الظلام، عكس كل من في البيت، من يتحرك ليلاً يسير سير كفيفي البصر، ويتخبطون في الطرقات في الكراسي وأي شىء يتحرك من مكانه.
نام البيت ونام الجميع ولم تنم الأم: ليالي.
وفتحتْ الدرج الثاني من مكتب ابنتها، روح، لتقرأ كل ما يسبق تلك الصفحة الأخيرة:
“وقَبَّل يديها، ولكنها ما كانت إلا قُبلة في القلب، قُبلة قِبلتها الحُب البعيد.
حينما انحنى على يديها، انحنت هي على رموش عينيه، لتُقبل هذا الحُب النقى، ونظرت لبعيد وهمست دون أن ينطق لسانها: أَحُب عذرىّ؟، أم حُبٌ أفلاطوني؟، أم حُب في عالم اليوتوبيا؟، أم حُب حقيقىٌ؟، المحبة دوام الذكر للمحبوب، شوقٌ، إيثارٌ، جمالٌ، عزف جمال الظاهر بجمال الباطن.
حُبٌ عذرىٌ؟، لا ليس هناك حُبٌ عذرىٌ إنه حُب …؟، حُب…؟، أفي الحُب أنواع؟!.
أنا لست بقبيلة عذرة، ولست من بني أمية، حقاً، ولكن القلب يرى كل الخير للمحبوب، لا يبحث عن العُمر وعدد السنين، إنه مولود جديد في القلوب.
ويعود وينظر إليها وكأنها تحلق بأجنحتها في السماء وتحلقُ دونما تفكير في لحظة العودة.
حتى التصقت إحدى الحشرات ببياض عينيها، وصار الدمع ينهمر من مُقلتيها، صارت تبكي، ليس لاختراق ذلك المخلوق الصغير في تلك اللحظة لسحابة عينيها، واستدارت حتى تُخفي دموعها التي كانت تنهمر بشدة، وبسرعة وكأن ذلك المخلوق الضعيف جاء لِيَفْرِغ سريعاً بالونة الذكريات، وكل الآلام القاسية، التي أثقلت ذراعيها وحجبتها عن التحليق في السماء.
وظلت تمسك بمنديل تلو الآخر، وتصرخ بداخلها عالياً من شدة الألم، حتى صُمت أُذُناها، وهو يُكرر: ماذا بِكِ؟ دعينى أعتنى بِكِ؟ لا تخافي أنا بجوارك؟ لم تسمع أى حرف من تلك الحروف، ولكن كل ما تشعر به أنفاسٌ دافئةٌ بجوارها.
وحينما لم يجد بُداً، أمسك بذراعها، وفجأة شعرت بنبضات تسري في كل جسدها، نبضات فيها دفء لم تشهده من قبل طوال حياتها، حتى ظلت صامتة، لا تجد من الكلمات ما تقول، أو حتى من النظرات ما تعبر به، لاحتلال هذا المخلوق الضعيف لعينها وإجبارها على إغلاقها.
وظل يُكرر لها: لم تتركين كل تلك الدموع تنهمر وأنا بجوارك؟ دعينى أعتني بكِ وأسمع لحواركِ.
فاستدارت بعد أن كانت تُخفي وجهها بين ذراعيها من شدة الألم، وفتح جفنها ولمس عينيها، وهي ترتعد من الألم ومن خوف النظرة في عينيه، فربما ترى ما لم يره قَلْبُها، وفجأةً وكأن الدفء يسري، ولمسة أخرست ضربات الألم، وفي فمتو ثانية جفت الدموع والتقطت أنفاسها.
معذورة لأنها اعتادت أن تتألم وحدها طوال حياتها، تتألم وسط المجاورين، بل كانوا كالمشاهدين لشاشة التلفاز.
ونظرت لأول مرة، وكأن كل الألوان ازدادت بهجة ونضارة، وكأن عقارب الساعة تتحرك في القلب، وكأنها تلتقي بنفسها لأول مرة وتشعر بنبض جديد.
بعدما أغلقت عينيها للحظات في صمتٍ طويل، وبعدما فَجَّرَ ذلك الكائن الضعيف كل أبواب الماضي المُغلقة بداخلها، ظل يردد لها:
ـ اشتقت للمس عينيك.
وفي بُرهة، شَبكَ أصابعه بأصابعها، وانطلقت سريعاً كسهم أصاب تلك الحجرة المغلقة في قلبها، وفتحها بجسارة، ولكن في ذات الوقت لا تدري في أي جزء من وجدانها أصابها ذلك السهم، الذي اخترق في لحظات على أجنحة الأحاسيس، اخترق كل السُحُب الكثيفة، وشعرت أن ذاتها تحولت لساحة رحُباء، ترمح هي فيها بحصانها الجامح، وتسمع صهيله وتنظر في عينيه وتزداد سرعة وكأنها تستعيد ذاتها، بعد هجرانها لسنواتٍ عديدة.
ويتردد بأذنيها صوتٌ آتٍ من بعيد: مَنْ هو الذي يأتيني من بعيد؟، وما هذه الرمال؟، أين أنا؟”