
🖋️🖋️
رأس مملوء حكايات..
سيرة روائية- ٢
بقلم .. الأستاذ.. أحمد طايل..
جريدة الحرف الراقي .. 🇪🇬
🖋️🖋️
شخوص بحياتى
.. ..طرق رجل البريد بابنا..أعطاني مظروفا..تناولته وأنا اتمتم..من الذى يراسلنى..فأنا فى هذا الوقت شحيح العلاقات او بالأدق لم أتجاوز حدود القرية وبعض أصدقاء الدراسة..
حياتى منحصرة بين القراءة بنهم..
كان يمكننى القراءة لساعات طويلة دون انقطاع تمكنني من قراءة كتاب كامل…هذه كانت أيامى..بين العمل وبين القراءة لا ثالث لهما..المهم .تناولت المظروف..جلست ..فتحته..وجدته دعوة لأداء اختبار وظيفة ببنك كنت تقدمت لها من حوالى سنة وربما أكتر حتى أننى نسيت الأمر تماما ..طرت فرحا..وهرولت مسرعا إلى أخ لى يعمل بذات البنك ولم يكن يعلم أنى تقدمت لهذه الوظيفة..عاتبنى على عدم إخباره..قال أنه سيصحبنى أثناء أداء الاختبار..المحدد بثلاثة أيام..كل يوم يوافق يوم.جمعة….باليوم الأول فوجئت بالعدد الكبير المتقدم لوظائف البنك..علمت.فيما بعد أن العدد يقارب الألف..والبنك لا يحتاج نظرا لحداثة نشأته لا يحتاج إلا بحدود ربع عدد المتقدمين..الاختبار كل يوم.كان يتم على الطريقة الأمريكية..السؤال.وأكثر من إجابة للاختيار .وبكل.مناحي المعرفة..سياسة ..إقتصاد..علم.نفس..اجتماع.. الإدارة..ومعلومات عامة..لساعات طويلة..للمرة الأولى أيقنت أن عشقي للقراءة أفادنى بشكل كبير.انتهيت من يومين من الاختبارات وبقي يوم .واحد مع يقين ترسخ بداخلي ..أن الأمر يحتاج إلى توصية من أحد الشخصيات ذات الحيثية..أسرعت إلى مكتب أبي ..أعرف عنه أنه كان وثيق الصلة بالكثير من وجهاء المجتمع..وكم رأيت من بطاقات التعريف..فتحت الدرج..أخذت أقلب بمجموعة البطاقات الموجودة رغم وفاته قبل أربعة عشر عاما..وجدت بطاقات من الزعيم الخالد..ما بها يدل على وجود صداقة قوية ..كل بطاقة معنونة..عزيرى الحاج سيد..عثرت على ما أبغيه..وضعته داخل جيب القميص الذى انتويت ارتداءه..أجزم أنى بومها لم أنم..خرجت مهرولا للحاق بقطار السادسة والربع الذى يصل إلى مدينتى بعدها بما يقرب من ثلث الساعة سار بسيره الطبيعي..أخذت بعدها قطار القاهرة..انتهيت من الاختبار..ركبت أتوبيس يقترب بي من مكان العنوان المدون ببطاقة التعريف..5شارع الحكماء..منشية البكري.القاهرة..وصلت للعنوان بحدود الرابعة عصرا…. اقتربت من البواب الجالس أمام المبنى بهيئته التي نراها كثيرا بالأفلام القديمة..والحقيقة أن هذه الهيئة تناسب هذا الحي شديد الهدوء..سألته عن الشقة التى يسكنها..أجابنى..أخذت أصعد درج السلم.. شديد التعلثم الحركي..أصعد درجة وأهبط درجتان.. وأنا اتصبب عرقا.فكرت بالعودة بسبب فكرة تروادنى أنه ربما لا يتذكر علاقته بأبي..وصلت إلى الدور الرابع..وقفت ألتقط اتفاقية ولهاثى..ضغطت على زر الجرس..بعد دقيقتين فتح الباب عن سيدة ترتدى زيا انيقا محتشما..وعلى رأسها شيء سبق وأن شاهدته بالأفلام يشير إلى أنها مديرة المنزل..سألتها.. =الباشا. موجود. =نقول له من.. الإجابة التى جاءت عفوية.. =اخبريه أنى من أبناء عزبته وأرجو لقاءه.. =لحظات.. قالتها.ولم.تنتظر ردا..صفقت الباب بهدوء..ازدادت دقات قلبى وزادت مساحات تصبب العرق..إستمر وقوفى لدقائق..فتح الباب عن رجل فارع الطول. ضخم البنيان..يرتدى زيا جميلا بحزام أحمر قانى..وطربوش فوق ورأسه..فهمت أنه السفرجى..أشار إلعى بالدخول..أدخلني إلى حجرة شديدة الاتساع..بها أكتر من صالون..جلست..غصت تماما بالمقعد..جلست وحيدا والخوف ينهشنى تماما..عاد السفرجى ليسألني عن ماذا أشرب..طلبت شايا..أتى به مسرعا وكأنه سابق التجهيز..مر وقت وأنا انتظر قلقا..دخل رجل باسق القامة..ممتلئ الجسد..يقارب أو تجاوز السبعين من العمر..ولكن إمارات الصحة واضحة تماما..جلس قبالتي..تأملني قليلا..ثم سألنى.. =خيرا يا ابنى.. بالكاد خرجت الكلمات من فمي.. =أنا..أحمد ابن الحاج.السيد طايل ما إن انتهيت من الحرف الأخير إلا وجدته ينتفض من مجلسه..ويدخلنى بين أحضانه..بل تلاشيت داخله..أنا حينها كنت شديد النحول..وأخذت دموعه فى الهطول من عينيه..بل وصل الأمر إلى حالة النشيج..بعد دقائق أطلق سراحى..أجلسني مجاورا له..واضعا يده على كتفى..شديد التأمل بي..قال =غير ممكن..يالله..أبوك رجل لا أظن أني عرفت مثله..ولكن أنت نحيف جدا عنه..ولونك داكن بعض الشيء عن لونه.. هذا التباسط أطلق عنان حريتي..فبادلته الرد..مزيحا الخوف والحواجز لحد ما.. =يا باشا ربما لأنه انجبني بعمر متأخر.. تبسم..سألني.. =خيرا..اؤمر.. أخبرته بحاجتي لتوصية حتى اعمل بالبنك.. =من رئيس مجلس الإدارة.. =محافظ البنك..دكتور..محمد فؤاد الصراف.. كنت قد عرفت الاسم من أخي.. ضرب كفا بكف بهدوء..وتهللت أساريره. =جميل..هو كان وكيل وزارة التخطيط بعهد .عبدالناصر..ولي به علاقة ود متبادل..حمدا لله..ولكن.. عندما لفظ بلكن هذه..أصابتني رعشة داخلية..هل خاب الأمل..أكمل.. =انا بحالة حداد على الزوجة ومن عاداتي بحالات الحزن..لا أفعل شيئا على الإطلاق..لحين بلوغ الأربعين..الأربعين بعد أسبوع من الآن..أنا بعدها أنزل المزرعة بالهرم..الثامنة صباحا..وأعود قبل المغرب..تعال بعد الأربعين بأمر الله أكون اتصلت به..والله يعمل الخير.. أطلقت عبارات العزاء المعتادة له..وتاسفت لحضوري فى هذا التوقيت..ربت على كتفي..ثم أخذ يسألنى عن إخوتى..اسما اسما..تعجبت أنه مازال يتذكرهم..تذكرت لحظتها أن أحد إخوتى كان يريد السفر للعمل بليبيا..وكان هناك بعض العراقيل أمام سفره..فذهب إلى ناظر عزبته وطلب منه مصاحبته وسيطا لمساعدته بالسفر..عندما ذهبا..وتكلم الناظر عن رغبة أخي ..قاطعة على الفور صارخا.. = أنت أتيت وسيطا..لمن..لابن حبيبى المقرب..الأصح أن ياتى هو وسيطا لك..طلبت الإذن بالانصراف..أصر على تناول الغذاء معهم..طلبت منه السماح لي أن اغادر كى أستطيع اللحاق بالقطار..بعد إلحاح اذن لى..أخذت أقفز درجات السلم وأنا لا أصدق نفسى..عدت وقد زادت أحلام الوظيفة الجديدة..مر الوقت بطيئا جدا..لا يكاد يتحرك…حتى مر موعد الأربعين الذى أخبرنى به..أسرعت باكرا إلى السفر..يجب أن ألقاه قبل نزوله للذهاب للمزرعة..فعلا كنت جالسا بجوار الباب بالسابعة والنصف..فى الثامنة..خرج من باب البناية.
🖋️🖋️ احمد طايل كاتب مصري
🖋️🖋️