
استيقظت الليلة مذعورا على غير عادتي، منذ أيام و أنا أعاني من أرق شديد و الليلة قد رأيتها في منامي ، كانت شامخة و عزيزة كما عهدتها منذ سنوات. نهضت من سريري و اتجهت نحو المطبخ ، أعددت فنجانا من القهوة و شرعت أنفض الغبار عن ذكرياتٍ ولت .
يمضي العمر سريعا.. أسرع بكثير مما نعتقد، ظننت أني عندما أصل إلى عمري هذا سأكون قد اعتدت على هذه المدينة و على طريقة عيشها. لطالما آمنت بفكرة اختيار الأماكن التي يسهل فيها تحقيق الأحلام ، لطالما قلت أنه هنا يمكن ضمان مستقبل أفضل و مال أوفر و رفاهية عيش أكثر لكن لماذا أشعر بعد كل هذا الوقت برغبة في العودة، لماذا يعتريني كل هذا الحنين!! .. أنا دائما ما أشتاقها لكن هذه الأيام ينهش الشوق فؤادي .
انْتظرت أن ترسل الشمس نورها و اتجهت إلى المقهى فتحته و جلست أنتظر قدوم جورج.
-صباح الخير يا صاح
- صباح الخير
- أراك باكرا اليوم
- أشتاق يا جورج.. أشتاق
جورج هو صديق غربتي، عملنا في نفس الشركة سابقا وما إن انتقلنا إلى المعاش حتى أسسنا سويا هذا المقهى رغبة منا في القضاء على الملل الذي يصيب الإنسان حال تقاعده. كان أول الداعمين لي عندما حدثت بعض التفجيرات الإرهابية في بلدي و رفض جميع من في الشركة التحدث إلى مسلم “إرهابي “، هو فقط من احترم ديانتي و أصلي. مازلت أذكر يوم أخبرني أنه يعرف جيدا أنه لا علاقة للدين بما يحدث و منذ ذلك الوقت لم يفلت يدي يوما و لم أخفي عنه شيئاً و لكن هذه المرة لا أعرف لما لم أقدر على إخباره بحزني، خفت ألا يفهم شعور “المغترب”. داهم جورج صمتي و قال : - مرت أيام و أنت على نفس الحال، تجنبت أن أسأل عن سبب تغيرك ظنا مني أنك ستخبرني بنفسك، لكنك تأبى مشاركتي حزنك، و أنا لا أقوى على رؤيتك هكذا.. مالك؟ ما الذي يشغل تفكيرك؟
- مرت 35 سنة منذ قدومي إلى هنا، أتعي معنى أن يمضي المرء أكثر من ثلاثة عقود بعيدا عن أرضه !! بعيدا عن المكان الذي نشأ و كبر فيه، هناك كونت أول صداقاتي، تحت نجوم تلك القرية و بين عيونها و سواقيها حلمت أنا و رفاقي بغدٍ أفضل، في نهجها لعبت صغيرا، في مقاعد مدارسها تعلمت، بين أسوار جامعتها تكونت، في طوابيرها وقفت لساعات ، شاركتها دائما فرحها و بكيت طويلا لألمها ،سعيت دائما إلى المساهمة في تغيير واقعها. لكنها خذلتني يوم أغلقت أبواب العمل في وجهي و خسرت وقتها حب عمري التي رفضت البقاء مع شاب لا عمل له. خيبة أمل كبيرة من وطن أحبتته دائما. قررت حينها الرحيل في أول فرصة، كنت سأركب قارب الموت من شدة اليأس لولا لطف الله و مَنُهُ عليَّ بفرصة عمل خارج حدود أرض الوطن. تركت كل شيء خلفي و أسست حياة جديدة ، تزوجت و أنجبت أطفالا. كابرت طويلا شعوري بالغربة و أنكرت شوقي لها. كنت أزورها فقط في العطل الصيفية كي أطمئن على أمي – رحمها الله – و بعد موتها أصبحت لا أزورها إلا عندما تلح أختي الوحيدة عليَّ . لكن ذكراها لم تفارقني يوما.
تغيرت ملامح جورج و اعتراه الحزن فجأة، و قال مواسيا : - قد نضطر يوما إلى التخلي عن بعض الأشياء التي نحبها و التنازل عن مبادئ ترعرعنا عليها كي نؤسس ما هو خير لنا، انظر إلى ما أنت عليه الآن ، لقد نجحت في الحصول على عمل وفر لك و لعائلتك عيشا كريما، لقد ضمنت لأطفالك مستقبلا يحسدك عليه أبناء قريتك، أنا أتفهم شوقك لها لكنك لم تكن ما أنت عليه الآن لولا قدومك.
-كل ما قلته يهون إحساسي بالغربة و لا يطفؤه ، أطفالي ولدوا و كبروا و تزوجوا و أنجبوا هنا، هذا وطنهم، أما أنا مهما أمضيت من العمر سيبقى لقب المغترب يرافقني، حتى زوجتي قبل وفاتها طلبت مني أن نزورها سويا، كانت ترى الشوق في عيني.. ماتت قبل أن أحقق لها ذلك. أتابع الأخبار هذه الأيام إنهم يتحدثون عن فترة انتقال ديمقراطي تعيشه. ستُزفُ قريبا كأجمل عروسة سأراها كما حلمت دائما برؤيتها. يكفيني ما أمضيته من العمر بعيدا عنها لقد قررت العودة، لا رغبة لي في الموت هنا، لا رغبة لي في أن أرى فرحها من بعيد أود مشاركتها انتفاضتها ضد الطغيان، ضد السرقة و ضد كل ما آل بها إلى هذا الوضع، سأشركها ذلك حتى في عمري هذا.. سأعود اليها يا جورح.. سأعود…
نهضت من مكاني و عانقت صديقي طويلا، اتفقنا على تبادل الرسائل و المكالمات ثم سلمت له كل مهام المقهى ، كانت تلك هديتي له تكريما لكل سنوات صحبتنا و اعترافا له بجميله عليَّ .
حجزت على أول طائرة.. لا مكان للتراجع هذه المرة .
بقلمي : فاطمة حمدي ✍️