( حدّث معلّم الصّبيان قال ) بقلم …. الكاتب : الناصر السعيدي من تونس . جريدة الحرف الراقي …

أذكر تلك الأيام الجميلة بحُلْـوها و مُرّها  التي مرّتْ على مباشرتي لمهنة التعليم في إحدى المدارس الريفية  ، و لا أنسى كيف شمرتُ عن ساعديْ العمل منذ العودة المدرسية و أدركتُ أني في لهيب الفرن فعلا و قولا ، و لم أتأخر في توفير أسلحة العمل حولي ، فكان دفتر إعداد الدروس و المذكرات و الكتب التربوية و الملاحق البيداغوجية و الملفات و المشخصات و اللوحات التعبيرية و الخرائط و كراسات القسم و المعلقات الرسمية ، و حوّلتُ جدران القسم إلى لوحة تشكيلية رومانسية تزيد المكان رونقا و جمالا و تدعو أطفالي إلى الإقبال على دروسهم في شغف و هم القادمون منذ الصباح الباكر من البوادي و الدشر و الحارات المتناثرة بين الروابي و الجبال قرب الأودية و مجاري المياه و الحقول الغناء إلى أن زارني المتفقد البيداغوجي ذات صباح من أيام شهر جانفي القارس ، و كنت وقتها أرى في نفسي المعلم اليافع القادم على مهل و العاشق لمهنته ، و حاولتُ أمام ضيفي أن أقلد المعلمين الأجلاّء الذين درستُ عندهم فتأثّرتُ بهم و مازلتُ أحتفظ بصورهم ، و على مدى ساعتيْن من الوقت و قد أحسستُ أنه يسرع لا يلوي على شيء ظللتُ أمرّ بين المواد التعلّميّة و المفاهيم المعرفيّة بسلاسة و قد وجّهتُ الفصل حسب مشيئتي و طبقا لأوامري ، فالصّمتُ يخيّم على الفضاء و الانضباط سيد الموقف ، و أنا كضابط يقود عساكره في رهبة و خشوع ، و كنت أترقب أن يكون الجزاء على قدر هذا العطاء و سأنال من زائري شهادة الشكر و التقدير و في ذهني سؤال مثير ظل يدغدغني : كيف لهذا المعلّم المبتدىء أن يقود مملكته بحزم و جدّ و حنكة لا مثيل لها ؟ حتما لا يقدر على هذا الفعل إلاّ جهابذة الفكر و التدريس دون جدال أو شكّ . انتهتْ الحصة الصباحية و تفرق تلاميذي و دعاني المتفقد إلى جواره فربّت على كتفي و أعلن سقوط أمبراطوريتي التي لا تعرف شيئا عن الديمقراطية و حرية الرأي ، و أبرز لي أن مدرسة الصبيان لا مكان فيها لمربّ دكتاتور متغطرس يهوى الأمر و النّهي ، و لا يتأخر في طمس هويّة و شخصية الطفل وقد وجد نفسه بين قضبان قفص من حديد قُطعتْ يداه و لُجم لسانه يكاد ينفجر في مقعده ، و دعاني لقاء خبرته و تجربته ، أن أفسح المجال لأطفالي كي يتكلموا بحرية و تلقائية ، و أن أشجعهم على الحوار   و النقاش و إبداء الرأي و التفكير في الخلق و الابتكار ، و أن أدربهم على الافتراض و الملاحظة و التساؤل و التجريب و الاستنتاج  ، و أن أخلق لهم فضاء رحبا ليتنفسوا فيه فيعبّرون عما يختلج داخلهم من أحاسيس ثم يقدمون بدائلهم و اقتراحاتهم و أفكارهم بكل رحابة صدر. وقتها كانتْ فرصتي الأولى التي اغتنمتها و لم أفرط فيها  لأنطلق في مهنة التعليم كأحسن ما يكون على مدى أكثر من ثلاثة عقود … ركب المتفقد سيارته الزرقاء و اتجهتُ أنا إلى جانب المسرب الطويل  أنتظر حافلة النقل الريفي قبل أن تفاجئني مطر سحاب بدأ يغطّي ظلامه المكان فجعله موحشا لا حياة فيه .

نُشر بواسطة حسام الدين طلعت

أشتاق سلامًا ... يعانق كفينا .... أشتاقُ نهارًا ... تسطع شمسه ... في عينيكِ ... أشتاق طريقًا ... تجمعنا ... خطواته ... أشتاقُكِ سكنًا ... تأوي إليه الروحُ ... أبدا ... 💜💛💙💖💚 حسام الدين طلعت

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ