










مَــدِيــنَــةُ الــلُّــغَــةُ الــعَــرَبِــيَّــة
قصة قصيرة لمحبي اللغة العربية
بـقـلـم: حُــســام الـــدِّيــن طــلــعــت
…………………………..
كان العم عربي رجلًا فصيحًا، يحبُ السفرَ، ارتحلَ من مكان إلى مكان حتى وصل إلى مدينة عجيبة تملؤها الكلمات.
أعجبته هذه المدينة وقرر أن يستقر فيها.
أصبح العم عربي في هذه المدينة سعيدًا، وأمسى مبتهجًا؛ لأنه شعر أن هذه المدينة بها كلمات طيبة صادقة، يعيشون في أمان وانسجام.
عُرِف عن العم عربي أنه حكيم، يتفوه بالحكمة ويصلح بين المتخاصمين.
وذات يوم من الأيام، أتته بعض الكلمات زائرة، تتنازع في أمر ما.
تعجب العم عربي كونهم متنازعين، ومتخاصمين.
فسألهم ما بالكم؟
لماذا أنتم متخاصمون؟
وعلى أي الأشياء تتنازعون؟
قالت الأسماء: نريد أن نكون حكام مدينتنا؛ لأننا دائما في الصدارة، وأغلب الكلمات في مدينتنا من الأسماء، مِنا مَنْ يبدأ ب ( أل ) التعريف، ومِنا منْ ينتهي بالتاء المربوطة ومِنا المنون ومنا أسماء الإشارة والضمائر بأنواعها، ومِنا أسماء البشر والحيوان والجماد والنبات، ومنا الصفات ومنا أسماء البلاد والأعلام، ومِنا ظرفا الزمان والمكان.
تتصل بنا الضمائر ونسمح للحروف بالدخول على كلماتنا بأن تسبقنا أو تتصل بنا، مِنا المبتدأ الذي يأتي في بداية الجملة الاسمية، ومِنا الخبر الذي بدونه لن يكتمل معنى جملتنا.
ألا نستحق الصدارة في هذه المدينة ونسميها مدينة الأسماء؟!
………………………………………………………………….
قال العم عربي: أنتم أيها الأسماء تستحقون الخير الكثير؛ لكنني أحب أن أسمع البقية، لن أستطيع سماع نوع واحد من الكلمات.
………………………………………………………………….
بدأت الأفعال في الحديث قائلة:
يا عم عربي، جئناك لأننا نعرف حكمتك، ونطمع أن تحكم لنا أن يكون اسم مدينتنا: (مدينة الأفعال).
قال العم عربي: أسمِعوني ما لديكم
قالت الأفعال: الفعل هو حدث في زمن ما.
مِنا الفعل المضارع الذي لا زال يحدث، ومِنا الفعل الماضي الذي حدث وانتهى، ومِنا فعل الأمر أي تطلب من شخص أن يفعل شيئا ما.
مِنا أفعال مبنية وأفعال معربة.
نسمحُ للأسماء في جملتنا أن تصبحَ فاعلا لنا، أي لولا وجود الفعل لما وُجِدَ الفاعل.
ونسمح لهم أن يكونوا مفعولا به، ولولا (فعل) الفاعل لما أصبحوا كذلك.
نتفضل عليهم بأنْ قَبلنَا أنْ نصبحَ نوعًا من أنواع الخبر في جملتهم الاسمية.
تتصلُ بنا الضمائر، ولا نقبل بدخول حروف الجر علينا!
مِنا الأفعال الناسخة التي تدخل على جملتهم الاسمية فتغير حكم الخبر من الرفع إلى النصب، (نحن الأقوى).
مِنا الأفعال اللازمة التي لا تقبل مفعولا به وتكتفي بالفاعل.
مِنا الأفعالُ المتعديةُ التي لا تكتفي بالفاعل وتتعدى إلىٰ مفعول به أو أكثر.
منا الأفعال الصحيحة، ومنا الأفعال المعتلة.
مِنا الأفعال التامة والناقصة.
أترى يا حكيمنا بعد قولنا هذا أننا لا نستحق الريادة!؟
………………………………………………………………….
قال عم عربي: لقد أتحفتموني بقولكم وتعلمت منكم.
لكنني لن أستطيعَ أنْ أتلو عليكم حكمي الآن، إلا بعد أن أستمع للنوع الثالث من الكلمات، أين هم؟
إنني لا أراهم… !
………………………………………………………………….
صاحت الأسماء قائلة: إنهم موجودون، لكنهم قليلون!
فتقدمت (الحروف) من الحكيم قائلة:
نحن هنا أيها الحكيم، نحن الحروف.
قال الحكيم: أهلا بكم ومرحبا، تفضلوا بالحديث.
قالت الحروف: حقًا ما قالته الأسماء عنا، نحن قليلون، لكننا موجودون، وقلتنا لا تنفي أحقيتنا بالزعامةِ والصدارةِ وأنْ نسمي مدينتنا (مدينة الحروف)!
قال العم: وبم تتميزون؟! أخبروني !
قالت الحروف: نحن لدينا مزايا عديدة وهي جد مفيدة.
قال: كيف هذا ؟
الحروف: الحروف لها عدة وظائف، فمنا من يشغل منصب حرف جر ومنا حروف العطف، ومنا حروف ناسخة، ومنا أدوات جازمة تنتمي إلينا، وأدوات ناصبة.
فحرف الجر هو الوحيد الذي يجر الاسم بعده، وأعتقد أن ذلك الأمر يقلل من شأن الاسم ويعلي من مرتبة الحرف.
أما حرف العطف فهو يعطف اسما على اسم وفعلا على فعل، ويجعل المعطوف تابعا لا إرادة له
فإذا كان المعطوف عليه مرفوعا فالمعطوف مرفوعا، وإذا كان منصوبا أو مجرورا يتبع نفس إعراب المعطوف عليه.
أما بالنسبة للأفعال، فقولهم بعدم سماح حروف الجر بالدخول على الفعل، فنحن نرد عليهم بأن أدوات النصب تنتمي إلينا وتدخل على الفعل المضارع فتجعله منصوبا بالفتحة الظاهرة أو المقدرة، ليس هذا فحسب وأدوات الجزم تجزم الفعل المضارع وتجعل علامة جزمه السكون أو حذف حرف العلة أو حذف النون.
من قال منهما أننا لا تأثير لنا أو أننا قلة في هذه المدينة لن يستطيع أن ينكر تأثيرنا القوي.
ومنا أيضا حروف تؤكد الفعل أو تشكك في حدوثه.
نحن قوة لا يستهان بها في مدينتنا.
أما الحروف الناسخة التي رفعت رأسنا عاليا، دخلت على الجمل الاسمية لتجعل المبتدأ منصوبا (وهي سابقة) لم تحدث مطلقا، وأبقت على الخبر مرفوعا.
نحن يا سيدي قوة مؤثرة، هتفت الحروف معا: عاشت الحروف، عاشت الحروف.
………………………………………………………………….
ابتسم العم عربي، وقال مخاطبا الحروف: أحسنتم قولا أيتها الحروف، لكنني عاتب عليكم في ازدرائكم للأسماء فليس مهما أن يكون الاسم مرفوعا أو منصوبا أو مجرورا، الأهم أن ينطق بشكل صحيح.
مختتما حديثه: لقد استمعت إليكم يا أنواع الكلام، وأرى أن تتركوني دقائق معدودة حتى أستطيع إصدار حكم عادل يرضيكم جميعا.
………………………………………………………………….
أنتم أتيتم إليَّ لكي أسمع شكواكم وأحكم بينكم فيما تنازعتم فيه، صحيح؟
مجيبون إياه: بلى.
– هل ترضون حكمي؟
– بلى نرتضي حكمك يا سيدي.
– رأيت أنكم تتميزون بالكثير والكثير من المميزات، وأنكم لن تستطيعوا الاستغناء عن بعضكم البعض.
لذا عليكم أن تتحدوا سويًا لتكملوا بعضكم البعض وتكون مدينتكم لكم جميعًا، لا فضل لاسم على فعل أو حرف، وليس مهما مَنْ الأقوى ومَنْ الأكثر عددا، لذا إذا سمحتم لي أحب أن أعرض عليكم اسمًا لمدينتكم وهو: ( مدينة اللغة العربية )، فما رأيكم؟
صاح الجميع في فرحة: ونِعم الرأي سيدي!
ما أجمل مدينتنا !
( مدينة اللغة العربية ).